الأربعاء، 21 أغسطس، 2013

ماذا صنع التعليم لكوريا الجنوبية؟

الواقع

كيف كان واقع كوريا؟؟
سلسلة لا نهائية من الحروب مع دول الجوار في القارة الآسيوية على مدى التاريخ، آخرها كان الغزو الياباني لكوريا في عام ١٩١٠،  وقد حاولت اليابان بوحشية طمس هوية كوريا والسيطرة المطلقة عليها إلى أن هُزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ وأصبحت كوريا ضمن غنائم الحرب التي تقاسمتها دول التحالف وغيرها.

لم تنتهي المعاناة عند هذا الحد، بل كان قدر كوريا أن تدخل في الصراع من جديد من خلال سيطرة الاتحاد السوفييتي على نصفها الشمالي وسيطرة أمريكا على نصفها الجنوبي، وبسبب الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي أصبحت كوريا أحد مناطق الحرب بالوكالة فاندلعت الحرب الأهلية الكورية بين الجزء الشمالي والجزء الجنوبي في عام ١٩٥٠ واستمرت ثلاثة أعوام طاحنة ومهلكة للكوريتين، ثم انتهت بالهدنة وتأسيس منطقة منزوعة السلاح، ثم الانقسام الرسمي بينهما.

ظروف صعبة وعصيبه، مابين حروب إقليمية متعددة واستعمار ياباني متوحش ومتكرر ثم تدخل أمريكي وسوفييتي ثم كانت الحرب الأهلية الطاحنه، وأخيرا الإنقسام إلى دولتين منفصلتين منهكتين، كل هذه الظروف أوصلت كوريا لتكون واحدة من أقل دول العالم في متوسط دخل الفرد حيث كان في عام ١٩٦٢ سبعة وثمانون دولار فقط ، وخلال ٥٠ سنة أصبح دخل الفرد الكوري أكثر من عشرين ألف دولار ، والسر الذي يتفق الكوريين عليه في نهضتهم هو الإهتمام بالتعليم.

تجدون فلم وثائقي من قناة الجزيرة يتحدث عن نهضة كوريا هنا

وفديو قصير يتحدث عن دور التعليم في نهضة كوريا هنا


القرار

ما القرار الذي اتخذته كل من الكوريتين المنفصلتين؟
شاهدوا اليوم الفرق بين الكوريتين، الشمالية والجنوبية ، وتذكروا أنهم كانوا قبل ٦٠ سنة فقط كيان واحد وظروف واحدة وعندما انفصلوا ، قررت كوريا الشمالية اختيار النظام الشيوعي و الإهتمام بالقوة العسكرية ، وقررت كوريا الجنوبية اختيار النظام الديمقراطي و الإهتمام بالتعليم ، فأصبحوا دولتين مختلفتين تماماً والفارق بينهم قرون وليس سنوات فقط.

تجدون مقارنة بين الكوريتين هنا

النتيجة

ماهي نتيجة قرار كوريا الجنوبية؟؟
لقد كان تصرف الكوريين الجنوبيين عبقري للغاية ، حيث أنه ومع شح الموارد والوضع الإقتصادي الصعب كان أمامهم خيار وحيد وهو التركيز على التعليم لأنه المجال الذي يجعل من الانسان مورد طبيعي مستدام ، ولذلك انعكس الإهتمام في التعليم على كافة مجالات الحياة الإقتصادية والإجتماعية.

 كل الأرقام تشير اليوم إلى ريادة كوريا عالميا في التعليم بالتنافس مع فنلندا ، وهنا بعض الدراسات والاحصاءات :

عرض متكامل عن نتائج كوريا في مؤشر PISA العالمي عام ٢٠٠٦ هنا

ملخص نتائج مؤشر PISA لجميع الدول عام ٢٠٠٩ وكوريا في المرتبة الثانيه عالميا هنا

في عام ٢٠١٠ كوريا تحقق المركز الاول في اثنين من ثلاثة عناصر ضمن مؤشر PISA الدولي هنا

ملخص انفوقرافك للتعليم في كوريا بالارقام هنا

وكنتيجة طبيعيه لهذا الاهتمام بالتعليم ، تطورت كل مجالات الحياة الأخرى في كوريا بشكل مذهل وفي وقت قياسي،ابتداءا بمؤشرات الاقتصاد والتقنية وتنمية الإنسان، وصولاً إلى المجالات الرياضية والفنية والإجتماعية، شاهدوا بعض هذه المؤشرات:

خلال ٤٠ سنة تفوقت كوريا على المتوسط العالمي وعلى الدول المتقدمة في مؤشر تنمية الانسان هنا 

تطورت كوريا اقتصاديا بشكل مبهر وحققت نمو عالي في دخل الفرد وفي الناتج القومي هنا و هنا

كوريا تتقدم بشكل مذهل في قطاع التقنية والإبتكار والشواهد متعددة منها وصول شركة سامسونج للمرتبة الثالثة عالميا في الابتكار خلف ابل وجوجل، الخبر هنا

وهذه الحلقة من خواطر تسلط الضوء على تطور كوريا هنا 


إن تجربة كوريا اليوم تعتبر درس هام لكل الأمم، بأن الثروة الحقيقية هي الإنسان، وليست البترول أو الغاز أو المعادن ، والنمو الحقيقي يكون بالإستثمار في بناء الوطن من خلال توفير أفضل برامج التعليم والتدريب من المراحل السنية المبكرة .


في أقل من ٣٠ سنة فقط تضاعفت ميزانية التعليم في كوريا أكثر من ١٥٥ ضعفا، حيث قفزت من ٣٠٠ مليون دولار إلى ٤٧ مليار دولار!
وللعلم فإن كوريا تنفق على التعليم سنوياً مبلغ يعتبر مساوي أو أقل من إنفاق السعودية على التعليم رغم أن عدد السكان في كوريا هو ٥٠ مليون نسمه !

مقال وائل غنيم يفصل فيه الميزانية الكوريه ويقارنها مع مصر هنا 
ميزانية كوريا السنويا من موقع وزارة المالية الكوريه هنا


السر

فماهو السر خلف تفوق كوريا تعليميا؟؟
لن اختزل التجربة المذهلة لكوريا بشكل سطحي، لكني لا أبالغ عندما اقول أن نجاح تجربة كوريا في التعليم يعتمد على عنصرين رئيسين هما :

أولا : المعلم

  • التعليم في كوريا مهنة مرموقة، تتمتع بمزايا اجتماعية ومالية عالية، تعتبر الخيار الأول لأفضل خريجين الثانوية، ولذلك نُشِرت دراسة في ٢٠٠٤ تُشير إلى أن المتقدمين لسلك التعليم في كوريا هم مِن أفضل ١٠٪ من خريجي الثانوية، تجدون مقال عن مزايا المعلمين هنا
  • يتعرض المتقدمون لسلك التعليم إلى سلسلة من الإختبارات التمحيصية قبل قبولهم للتدريس ، من ضمنها مقابلة شخصية، وهذا يرفع مستوى المعلمين ويضمن اختيار أفضل الكوادر 
  • يحظى المعلمون في كوريا بتطوير مستمر، وهو السبيل الوحيد لضمان استمرار الأداء الجيد للمعلم، وينقسم التطوير إلى أربعة أقسام هي : التدريب أثناء الخدمة، والتدريب المهني التطويري، والابتعاث الخارجي ، والدراسات العليا، ومشاركة المعلم في هذه البرامج مرتبطه بشكل مباشر بتطوير وضعه المالي ودرجته في السلم الوظيفي، تفاصيل البرنامج هنا
  • للمعلمين نقابة فعالة يمارسون فيها المطالبات الشرعية بحقوقهم وامتيازاتهم ويتظلمون من خلالها على أي تعديات يتعرضون لها، وهي نافذة مريحة بدل من استجداء المسؤولين واستعطافهم، نبذه عنها هنا 
  • وغيرها الكثير من العناصر...

ثانيا : الثقافة

  • الثقافة الكورية تدعم وتتبنى التعليم بشكل واضح، والطلاب لديهم الوعي الكافي بأهمية التعليم وبارتباط مستقبلهم بتعليمهم، وأنهم سيحصلون على وظائفهم من خلال جهدهم ودرجاتهم وليس من خلال الواسطة، لدرجة ان الطالب الكوري يخرج من مدرسته ظهرا ليرتاح ثم يعود مرة أخرى في المساء لاخذ دروس تقوية تستمر إلى الساعه ١٠ مساءا بدافع ذاتي، شاهدو حلقة من برنامج خواطر تسلط الضوء على تجربة كوريا ودراسة الطلاب إلى وقت متأخر هنا
  • ينفق الأب والأم أكثر من نصف دخلهم على تعليم أبناءهم ، وهي نسبة مرتفعه جدا تعكس مستوى الحرص والإهتمام بتعليم الأبناء، تعليق الصحافة على إحدى الحالات هنا
  • يدرك الكوريون أهمية التعليم ، ولذلك هم يختارون أفضل الخريجين على الاطلاق لتدريس طلاب الصفوف المبكرة ،مما يجعل تأسيس الطلاب على أعلى مستوى من عمر مبكر جدا، بالإمكان مشاهدة التفاصيل هنا
  • وشواهد أخرى كثيره ...

ولذلك ، في إعتقادي الشخصي ، وجود ثقافة مجتمعية تؤمن بأهمية التعليم، ووجود معلم متمكن ، كفيل بأن يصنع نهضة تعليمية مذهلة تنعكس على شتى مجالات الحياة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرا لمشاركتك