الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

مدرسة مجمع الزامل

.
.
كل عام، نحن والعديد من العوائل السعودية، نحزم حقائبنا ونتوجه لقضاء جزء كبير من إجازتنا الصيفية في أبها، أعلم أن السياحة الداخلية ليست الخيار الأمثل وخصوصا لمن منحه الله القدرة المادية على قضاء الإجازة في الخارج، لكننا بشكل شبه سنوي ومنذ ٢٠ سنة أو أكثر نقضي إجازتنا هناك، والأغرب من ذلك أننا نفضل المكوث في المجمع السكني على الخروج للتنزه، فماهو السر خلف هذا السلوك الغريب ؟

عندما نصل إلى هذه المجمع، تبدأ الذكريات فوراً بمداعبة ذاكرتنا، لقد قضينا فيه عمرا مديدا، على سبيل المثال أتذكر أول مرة زرنا فيها المجمع لم أكن أتجاوز السادسة من عمري، وهذا العام زرت المجمع وأنا في السادسة والعشرين من عمري ومعي عائلتي وأطفالي الذين بلغ بعضهم ٤ سنوات، ومابين طفولة السادسة وشباب السادسة والعشرين، قصص وذكريات ومشاهد متعددة.

في مجمع الزامل الأبواب لا تُقفل، فكل أهل المجمع على معرفة وثيقة ببعضهم ، فإما أنهم من أصحاب الوحدات السكنية الذين توافدون إلى أبها كل عام ، أو أنهم من المستأجرين الجدد الذين عادة ما تفرض عليهم إدارة المجمع ضوابط وشروط صارمة قبل قبولهم في المجمع، ولذلك من الطبيعي أن تجد الأطفال دون سن المدرسة يتجولون لوحدهم في المجمع دون أي قلق يشغل بال أهاليهم، البنات والأمهات يتجولن كذلك بحرية مطلقة ودون خوف من التحرش أو المضايقة، فالكل هنا محترم، والكل هنا معروف.

في مجمع الزامل كل أفراد العائلة يستمتعون، الأطفال لديهم برامج ترفيهية أثناء النهار، ولديهم منطقة (المراجيح) و (النطيطات) المصممة بشكل آمن وسليم، والشباب لديهم ملاعب كرة القدم والطائرة وصالة لألعاب البلياردو والتنس وغيرها، وعادة ما تقام بطولات بين أعضاء المجمع في هذه الألعاب بشكل حماسي وممتع، البنات لديهن ديوانية خاصة بهن ، يلتقون فيها ويتواصلون بشكل ممتع وجميل ، الأمهات لديهن خيمة ثرية بالندوات والمحاضرات الدينية يوميا، بالإضافة إلى الزيارات المتبادلة بينهن في النهار، أما الآباء فلديهم ديوانية الرجال التي تشمل يوميا معارك لطيفة في لعبة البلوت ، أو عرض لتجارب رجال أعمال وأصحاب قصص ملهمة، أو استضافة لشخصيات دينية مؤثرة ومفيدة.

في مجمع الزامل الكل مستفيد، فهو محضن تربوي وفرصة رائعه للمبادرة بالسلوكيات الإيجابية وترك السلوكيات السلبية ،الكل هناك يعين على الإيجابيات وترك السلبيات ، الكل يتوجه إلى المسجد عند الآذان، الكل يحترم بيئة المجمع الخالية من التدخين أو الموسيقى الصاخبة، الكثير وخصوصا من كبار السن يمارسون رياضة المشي بين المغرب والعشاء ، الكثير يتناولون الوجبات يوميا مع عوائلهم ، ويتواصلون اجتماعيا بعد تناول الوجبات العائلية، لأن الترابط الأسري أهم وله الأولوية قبل أي تواصل اجتماعي مع الآخرين، لا أبالغ حينما أقول أنني في أبها أحظى بفرصة تناول الوجبات مع والدي ووالدتي أكثر من فرصتي في الرياض، لأن الكل في مجمع الزامل يحترم الأسرة، ويعطيها الأولوية دائما.

في مجمع الزامل الكل يهتم بالكل، عندم تعرض والدي لوعكة صحية هذا العام، ودخل على أثرها للمستشفى وأجرى عملية في قلبه، تفاجئنا بحضور كل رجال مجمع الزامل، بعضهم حضر أثناء العملية والبعض حضر بعد العملية، وعندما خرج والدي من المستشفى وعاد إلى المنزل، أغلب رجال المجمع كانوا يزورونه بشكل يومي للاطمئنان عليه، وهذا الإهتمام يحظى به كل من يسكن في هذا المجمع المترابط.
 أثناء وجبة الغداء أو وجبة العشاء ، نادر جدا أن تكون السفرة خالية من أطباق أرسلها لنا الجيران، كل الأمهات يتبادلون مع جيرانهم وسكان المجمع الآخرين الأطباق التي أعدوها، فأصبحت والدتي تعد لنا طبقين اثنين، ولكننا في مائدتنا نتناول ٤ أطباق ، بادر الجيران بإرسالها لنا، مثلما بادرنا نحن بإرسال جزء من أطباقنا للآخرين.

في مجمع الزامل العلاقات بسيطة جدا، ولذلك هي تستمر، لايوجد مبالغة أو تكلف في الاستعدادات، كل الأمور تتم ببساطة وألفة بعيدا عن التصنع والمجاملات، يومين من كل أسبوع يخرج سكان المجمع إلى استراحة الزامل في أعلى جبال السودة وتتولى كل أسرة إحضار طبق او أكثر كنوع من المشاركة، ولذلك تجد أن هذه المناسبة تتم بكل يسر وسهولة، ودون أدنى تكلفة على المستضيف أو على الضيوف، وبساطتها هي سر استمرارها.

في مجمع الزامل الكل سعيد ومسرور، لأن القلق غير موجود ، فالبيئة نقية من الممارسات السلوكية السلبية، والبيئة نقية من الغرباء واللصوص .

مجمع الزامل السياحي في أبها عبارة عن مدرسة إجتماعية حقيقية، وهي امتداد للنجاح المذهل لأبناء عبدالله الحمد الزامل اجتماعيا وتجاريا وخيريا، إنهم بالفعل معجزة يجب أن تدرس في مدارسنا وتحتذى

والحديث عن شركة أبناء عبدالله الحمد الزامل يطول جدا ، وخصوصا إذا كنت أنا المتحدث عنهم، لأنني مفتون بقصة نجاحهم ، وليس مصدر إعجابي هو نجاحهم التجاري فقط، لأننا نعرف الكثير من قصص النجاح التجارية ، لكن إعجابي يكمن في انتقال هذا النجاح من المؤسس العصامي إلى أبناءه بطريقة سلسة ومبهره ، والعمل الآن يجري بشكل متميز لانتقال هذا النجاح إلى الأحفاد وهذا ما تفتقده أغلب الشركات العائلية

لمن يريد الإطلاع أكثر على تجربة الزامل التجارية، سأحيله إلى عدة مصادر تغطي هذا الجانب بشكل يسير مثل:

قصة العصامي عبدالله الحمد الزامل وبداياته هنا
تأسيس مجموعة الزامل ونشاطاتها هنا
د. عبدالرحمن الزامل رئيس مجلس إدارة العائلة يطرح تجربته بنفسه ضمن سلسلة مقاطع هنا
مركز عبدالله الحمد الزامل لخدمة المجتمع هنا

 اسأل الله أن يبارك لهم في ما رزقهم وأن يزيدهم من فضله

أعتقد أن مجمع الزامل السياحي استطاع أن يعيدنا للماضي حيث القرية الصغيرة المتكاتفة التي يعرف كل أفرادها بعضهم البعض ويتعايشون كأسرة واحدة، ويشكلون مدرسة اجتماعية عظيمة التاثير على منتسبيها، هذه هي المدرسة بمفهومها العميق.

كم أتمنى لو كانت كل الأحياء السكنية مثل مجمع الزامل السياحي في أبها...






هناك تعليق واحد:

  1. المقال صحى الذكريات وترجم المشاعر والكلمات الي نحسها ونبي نقولها
    رائع رائع .. شكرا

    ردحذف

شكرا لمشاركتك